
ثمان خلافات بين إخوة ملكيين في تاريخ بريطانيا
يبدو خلاف الأميرين ويليام وهاري لكثيرين حالة فريدة في تاريخ العائلة المالكة البريطانية، وكأن الإخوة في هذا البيت لم يعرفوا قبلهما إلا الوفاق، غير أن السجلات القديمة تحكي غير ذلك، فمن معركة في يوركشاير قبل نحو ألف عام إلى أسر طويل في القلاع ثم إلى محاكم ومذكرات منشورة في زمننا، تحول الأخ في أحيان كثيرة إلى الخصم الأقرب من العرش.
دعونا نتعرف معا على ما جرى بين ويليام وهاري حتى اليوم، ثم نعود إلى سبع حكايات موثقة لإخوة ملكيين اختلفوا على التاج أو على الحب أو على الخصوصية، وكان مصير بعضهم أقسى بكثير من القطيعة.
1. الأميران ويليام Prince William وهاري Prince Harry
يعود الخلاف العلني بين الأخوين إلى مطلع عام 2020، حين أعلن هاري وزوجته ميغان ماركل Meghan Markle تخليهما عن العمل الملكي الرسمي ثم انتقلا إلى كاليفورنيا، وبلغ ذروته مع صدور مذكرات هاري الاحتياطي Spare في 10 يناير 2023، وفيها روى أن ويليام أمسكه من ياقته ومزق قلادته ودفعه أرضا خلال شجار حول ميغان في منزلهما نوتنغهام كوتيج Nottingham Cottage عام 2019، وأن وعاء طعام كلب تحطم تحت ظهره فجرحه، وأن ويليام عاد بعدها معتذرا.
لم يعلق قصر كنسينغتون ولا قصر باكنغهام على ما ورد في الكتاب وقت نشره، ونقلت مجلة نيوزويك Newsweek لاحقا عن كتاب ملكي حديث أن ويليام يؤكد أنه لم يكن هناك عنف جسدي، وهو كلام منقول عن الكتاب وليس تصريحا علنيا من ويليام نفسه، فبقيت الروايتان دون حسم.
بعد انتقال هاري وأسرته إلى بريطانيا في الأسابيع الماضية حضر يوم 17 سبتمبر 2026 حفل جوائز إنفيكتوس سبيريت Invictus Spirit Awards في لندن، وهو أول ارتباط رسمي له منذ العودة، وفي اليوم نفسه كان الملك تشارلز يلقي كلمة في مؤتمر بمقر دمفريز هاوس Dumfries House في اسكتلندا ولويليام ارتباطاته الخاصة، وذكرت شبكة إيه بي سي نيوز ABC News أن الملك وويليام لم يعلقا علنا على عودة هاري وميغان.
أما وصف العلاقة بأنها قطيعة تامة فمصدره في الغالب تحليلات كتّاب ومحررين ملكيين لا بيانات رسمية، ومنهم راسل مايرز Russell Myers محرر الشؤون الملكية في صحيفة ديلي ميرور Daily Mirror الذي قال إن ويليام يترك لوالده حرية علاقته بهاري، لكنه لا ينوي إقامة علاقة معه في المستقبل لا في العمل ولا في الحياة الخاصة، بينما تشير تقارير أخرى إلى أن هاري يسعى إلى ترميم علاقته بالعائلة بدءا بوالده.
2. هارولد غودوينسون Harold Godwinson وشقيقه توستيغ Tostig
كان توستيغ إيرل نورثمبريا حين ثار عليه سكان الإقليم عام 1065، ولم يمنعه شقيقه هارولد، وكان يومها أقوى رجال البلاط بعد الملك إدوارد المعترف Edward the Confessor، من السقوط، بل أقنع الملك بقبول مطالب الثائرين، فنُفي توستيغ وأمضى شهورا يبحث عمن يعينه على العودة، وفي ربيع 1066 شن غارات على السواحل بأسطول جمعه من فلاندرز ثم لجأ إلى اسكتلندا، وفي سبتمبر انضم إلى ملك النرويج هارالد هاردرادا Harald Hardrada الذي وصل بنحو 300 سفينة يطالب بعرش إنجلترا، فقطع هارولد نحو 185 ميلا من لندن إلى يورك في أربعة أيام، والتقى الجيشان في 25 سبتمبر 1066 عند جسر ستامفورد Stamford Bridge، وتقول الروايات المتوارثة إن هارولد عرض على أخيه استعادة إيرليته إن ترك الملك النرويجي فرفض، وسقط الاثنان في المعركة، ولم تمض ثلاثة أسابيع حتى قُتل هارولد نفسه في معركة هاستينغز Hastings أمام ويليام دوق نورماندي.
3. ويليام الثاني William II وهنري الأول Henry I
في 2 أغسطس 1100 خرج الملك ويليام الثاني، الملقب روفوس Rufus أي الأحمر بسبب لون شعره، إلى الصيد في غابة نيو فورست New Forest مع عدد من النبلاء ومعهم شقيقه الأصغر هنري، فأصاب سهم صدره ومات، وتنسب الروايات المتأخرة الرمية إلى النبيل والتر تيريل Walter Tirel الذي اشتهر بمهارته في الرماية، أما أقدم السجلات، وهو سجل الأنجلوساكسون Anglo-Saxon Chronicle، فيكتفي بالقول إن أحد رجاله أصابه بسهم.
الثابت بعد ذلك أن هنري ترك الجثة وانطلق إلى وينشستر Winchester فاستولى على الخزانة، ثم تُوّج ملكا في وستمنستر Westminster في 5 أغسطس، قبل أن يعود أخوهما الأكبر روبرت من الحملة الصليبية، ومن هنا ظن بعض المؤرخين أن الحادثة مدبرة، بينما يرى آخرون أنها حادث صيد استغله هنري بسرعة، ولم يثبت دليل حاسم على أي من الفرضيتين.
4. هنري الأول وشقيقه روبرت كورثوس Robert Curthose
لم ينته النزاع بالتتويج، فروبرت دوق نورماندي، وهو الابن الأكبر لويليام الفاتح William the Conqueror، رأى في التاج حقا له وغزا إنجلترا عام 1101، ثم اضطر إلى التخلي عن مطالبته بموجب معاهدة ألتون Treaty of Alton، وعاد هنري بعد سنوات إلى الهجوم فغزا نورماندي عامي 1105 و1106 وهزم أخاه في معركة تينشبراي Tinchebray يوم 28 سبتمبر 1106 وأسره، ولم يغادر روبرت الأسر حتى مات في قلعة كارديف Cardiff عام 1134، فقضى نحو ثمانية وعشرين عاما سجينا، قضى قرابة عشرين منها في قلعة ديفايزس Devizes قبل نقله إلى ويلز عام 1126 تقريبا.
5. ريتشارد الأول Richard I المعروف بقلب الأسد وشقيقه جون John
وقع ريتشارد أسيرا في يد دوق النمسا ليوبولد Leopold في ديسمبر 1192 أثناء عودته من الحملة الصليبية الثالثة، وفي غيابه تحالف أخوه الأصغر جون مع الملك الفرنسي فيليب الثاني Philip II، وبحسب ما نقله موقع هيستوري نت HistoryNet ذهب إلى باريس وقدم له الولاء عن أراضي ريتشارد ثم عاد إلى إنجلترا يزعم أن أخاه مات، وحين عاد ريتشارد في مارس 1194 غفر لجون خيانته ولم يسجنه، وتذكر المراجع أنه أعاده وريثا له، وتوفي في 6 أبريل 1199 فتُوّج جون ملكا في 27 مايو من العام نفسه، وانتقل أثر هذا الخلاف إلى الحكايات الشعبية حين صارت قصص روبن هود Robin Hood تصور جون أميرا شريرا وريتشارد ملكا غائبا يعود لينقذ البلاد.
6. إدوارد الرابع Edward IV وشقيقه جورج دوق كلارنس George Duke of Clarence
بدأ جورج حليفا لأخيه الملك، ثم انحاز إلى حميه إيرل وورويك Warwick الذي انقلب على إدوارد، ففر الملك إلى بورغندي عام 1470 وأُعيد هنري السادس Henry VI إلى العرش، غير أن جورج تصالح سرا مع أخيه قبل أن يعود إدوارد ويهزم وورويك في معركة بارنت Barnet في أبريل 1471 ويستعيد التاج، ولم يعد الود كما كان، ففي يناير 1478 وجه الملك إلى أخيه تهمة الخيانة العظمى أمام البرلمان، وصدر قانون بتجريده من حقوقه، ونُفذ فيه الحكم سرا داخل برج لندن Tower of London في 18 فبراير 1478، ولأن التنفيذ جرى خلف الأبواب المغلقة انتشرت روايات شعبية عن طريقة موته لا يسندها دليل، وصوّره شكسبير Shakespeare في مسرحية ريتشارد الثالث Richard III ضحية مؤامرة دبرها شقيقهما الأصغر، بينما يشير مؤرخون إلى أن الاعتقاد السائد في عصره كان يرى الملكة إليزابيث وودفيل Elizabeth Woodville وراء إدانته.
7. إدوارد الثامن Edward VIII وجورج السادس George VI
في القرن العشرين اتخذ الخلاف شكلا لا سيوف فيه ولا سجون، فقد تولى إدوارد الثامن العرش في 20 يناير 1936 وتنازل عنه في 10 ديسمبر من العام نفسه بعدما رفضت الحكومة والكنيسة والرأي العام زواجه من الأمريكية واليس سيمبسون Wallis Simpson المطلقة مرتين، وخلفه شقيقه ألبرت دوق يورك، الذي لم يسع يوما إلى العرش، باسم جورج السادس، ومنحه لقب دوق وندسور Duke of Windsor في 12 ديسمبر، لكنه رفض بنصيحة من الوزراء أن يمنح زوجته لقب صاحبة السمو الملكي، وهو ما أغضب إدوارد كثيرا بحسب سيرة الزوجين، وتزوج الدوق سيمبسون في فرنسا يوم 3 يونيو 1937 وأقام بعدها في فرنسا أغلب سنواته حتى وفاته في باريس عام 1972.
8. الملك تشارلز الثالث King Charles III وشقيقاه إدوارد Prince Edward وأندرو Andrew
للملك تشارلز خلافان مع شقيقيه، أولهما مع الأصغر إدوارد، دوق إدنبرة اليوم، ففي سبتمبر 2001 وبعد أيام من التحاق ويليام بجامعة سانت أندروز University of St Andrews ظهر في الجامعة طاقم تصوير من شركة أردنت للإنتاج Ardent Productions التي أسسها إدوارد عام 1993، رغم اتفاق بين القصر والصحافة يترك الشاب يدرس بعيدا عن الأضواء، ونقلت وكالة برس أسوشييشن Press Association أن تشارلز كان غاضبا للغاية وطالب شقيقه بتسليم المواد المصورة، فوافق إدوارد مؤكدا أنها لا تتضمن لقطات لويليام، وقالت الشركة إنه لم يكن يعلم ببقاء الطاقم، وأغلقت أردنت أبوابها عام 2009، وتصف التقارير علاقة الأخوين اليوم بأنها جيدة.
أما الخلاف الثاني فأثقل بكثير، إذ تخلى أندرو في أكتوبر 2025 عن استخدام لقب دوق يورك Duke of York بعد ظهور رسائل تؤكد أنه ظل على اتصال بالمدان بجرائم جنسية جيفري إبستين Jeffrey Epstein مدة أطول مما أعلن سابقا، وفي 30 أكتوبر بدأ الملك رسميا إجراءات نزع ألقابه وأوسمته فصار اسمه أندرو ماونتباتن وندسور Andrew Mountbatten Windsor بلا لقب أمير وغادر مقر إقامته رويال لودج Royal Lodge، وفي 19 فبراير 2026، وهو يوم عيد ميلاده السادس والستين، أوقفته شرطة وادي التايمز Thames Valley Police للاشتباه في إساءة استخدام منصب عام، على خلفية ادعاء بأنه أرسل تقارير تجارية حساسة إلى إبستين حين كان مبعوثا تجاريا للمملكة المتحدة، وقال الملك في بيان إنه علم بالنبأ بقلق بالغ، وأُفرج عن أندرو في اليوم نفسه قيد التحقيق دون توجيه تهمة وهو ينفي ارتكاب أي مخالفة، ولا يزال التحقيق مفتوحا بعد سبعة أشهر ولم يُعلن حتى الآن عن توجيه اتهام إليه.

