
اليوم العالمي للبيئة: 5 منظمات ومؤسسات اجتماعية تُحدث تحولاً في عالم الأزياء المستدامة
يذكّرنا اليوم العالمي للبيئة كل عام بضرورة إعادة النظر في تأثير خياراتنا اليومية، وقلّما نجد صناعةً لها بصمة بيئية أكبر من صناعة الأزياء. فصناعة الأزياء العالمية مسؤولة عن كميات هائلة من النفايات، واستهلاك المياه، وانبعاثات الكربون.
ووفقًا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، يُدفن أو يحرق ما يعادل حمولة شاحنة قمامة من المنسوجات كل ثانية. ومع تزايد النقاشات حول الاستدامة، يتجه المستهلكون بشكل متزايد إلى ما هو أبعد من مجرد مواكبة الموضة، وفي اليوم العالمي للبيئة يطرحون سؤالًا أكثر أهمية: من صنع ملابسي، وماذا يحدث لها بعد أن أتوقف عن ارتدائها؟
ولحسن الحظ، يعمل جيل جديد من المؤسسات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية والعلامات التجارية ذات الأهداف النبيلة على تغيير هذا الواقع. فبدلاً من التعامل مع الاستدامة كشعار تسويقي رائج، تتصدى هذه المنظمات لبعض أكبر التحديات التي تواجه صناعة الأزياء، بدءًا من نفايات المنسوجات والتلوث البلاستيكي وصولاً إلى سبل عيش الحرفيين وأنظمة الإنتاج الدائرية.
خمس منظمات تثبت أن الموضة يمكن أن تكون جميلة ومسؤولة في آن واحد
-
ريشاركا: تحويل النفايات البلاستيكية إلى منتجات منسوجة يدوياً
عندما يفكر معظم الناس في الأزياء المستدامة، ربما لا تكون النفايات البلاستيكية أول ما يتبادر إلى أذهانهم. لكن بالنسبة لمؤسسة “ريتشاركا” الاجتماعية في مدينة بونا، فإنها تمثل نقطة انطلاق لحل مبتكر.
تقوم المنظمة بإعادة تدوير الأكياس والأغلفة البلاستيكية غير القابلة لإعادة التدوير باستخدام تقنيات النسيج الهندية التقليدية التي تعتمد على المغزل اليدوي والنول اليدوي. ما يميز هذا النموذج بشكل خاص هو جمعه بين العمل البيئي وتوفير سبل العيش.
ثم بدلاً من ترك النفايات البلاستيكية تتراكم في مكبات النفايات أو المسطحات المائية، تقوم مبادرة “ريتشاركا” بتحويلها إلى منتجات قابلة للاستخدام من خلال عملية تقوم بها نساء ريفيات وحرفيات. تحافظ هذه المبادرة على الحرف اليدوية التقليدية، وتخلق في الوقت نفسه فرصاً اقتصادية في المجتمعات التي غالباً ما تكون فيها فرص العمل المستقرة محدودة.
إن التأثير كبير. حتى الآن، قامت شركة reCharkha بإعادة تدوير أكثر من 40 لاخ كيس بلاستيكي وغلاف، ووفرت أكثر من 70 ألف يوم من سبل العيش للنساء الريفيات والحرفيات، ومنعت انبعاث ما يقرب من 218 طنًا متريًا من الكربون.
وفي عالم يبحث عن حلول قابلة للتطوير لإدارة النفايات، تظهر reCharkha كيف يمكن للحرف التقليدية أن تصبح أدوات قوية لمواجهة التحديات البيئية الحديثة.
-
بونكو جونكو: منح النفايات النسيجية هوية رقمية
لطالما اعتمدت صناعة الأزياء على نموذج خطي: الإنتاج، الاستهلاك، التخلص. وتسعى علامة بونكو جونكو إلى تغيير هذا النظام جذرياً. وانطلاقاً من إيمانها بأن المشكلة لا تكمن في صناعة الأزياء بحد ذاتها، بل في الأنظمة المهدرة المحيطة بها، تعمل هذه المنظمة على تحويل نفايات المنسوجات إلى منتجات دائرية قابلة للتتبع من خلال شبكات إنتاج تقودها النساء. ويعدّ نظام CircularOS، وهو منصة تقنية تضفي الشفافية والمساءلة على الاستدامة، جوهر عملها.
كذلك يحصل كل منتج معاد تدويره من خلال منصة “بونكو جونكو” على هوية رقمية فريدة. وبفضل خاصية التتبع عبر رمز الاستجابة السريعة QR، يمكن للمستهلكين الوصول إلى معلومات حول أصل المواد المستخدمة في المنتج، ودورة حياته، والوفورات البيئية التي يحققها، وتأثيره على الحرفيين، ومساره الدائري.
يعالج هذا النهج أحد أكبر تحديات الاستدامة: القياس. فبينما تدّعي العديد من العلامات التجارية أنها صديقة للبيئة، تركّز “بونكو جونكو” على جعل الأثر واضحًا وقابلًا للتحقق. إذ يمكن للمستهلكين معرفة كمية نفايات المنسوجات التي تمّ تحويلها، وكمية الكربون والماء التي تمّ توفيرها، وكيف استفاد الحرفيون من هذه العملية.
وقد حظي عملها المبتكر باعتراف عالمي، بما في ذلك الدعم والاعتراف من منظمات مثل مؤسسة إيكيا، وفيزا، وهيئة الإذاعة البريطانية BBC، وسفارة الولايات المتحدة الأمريكية، والعديد من المنصات الأكاديمية والابتكارية.
ثم من خلال الجمع بين التكنولوجيا وسبل عيش النساء والتصميم الدائري، تساعد شركة Bunko Junko في بناء مستقبل لا يتم فيه الادعاء بالاستدامة فحسب، بل يتم قياسها أيضًا.
-
نساء الساحل: استخدام الموضة كأداة للتغيير الاجتماعي
غالباً ما تتم مناقشة الاستدامة من منظور المواد والتصنيع، لكن الناس لا يقلون أهمية في هذا الحوار. تضع منظمة “ساهيلي وومن” الهندية المرأة في صميم رسالتها، مستخدمةً الموضة كوسيلة للتمكين الاقتصادي وتنمية المجتمع. تعمل المنظمة على تزويد النساء بالمهارات وفرص العمل والاستقلال المالي، مما يحدث آثاراً إيجابية تتجاوز بكثير سبل العيش الفردية.
الفلسفة بسيطة لكنها قوية: عندما تكسب النساء، تستفيد الأسر، وتتقوى المجتمعات، وتحصل الأجيال القادمة على فرص أفضل.
ثم من خلال إنتاج الأزياء المستدامة، تمكّن منظمة “ساهيلي وومن” الحرفيات من المشاركة في الاقتصاد مع الحفاظ على المهارات والحرف التقليدية. وتنظر المنظمة إلى الأزياء ليس كمجرد صناعة، بل كمنصة قادرة على إحداث تأثير اجتماعي ملموس.
في أجزاء كثيرة من العالم، لا تزال الحرفيات يساهمّ بشكل كبير في إنتاج المنسوجات، لكنهن ما زلن لا يحظين بالتقدير الكافي ولا يتقاضين أجوراً مناسبة. وتسعى مبادرات مثل “نساء ساهيلي” إلى تغيير هذا الواقع من خلال إنشاء أنظمة تقدّر قيمة كل من الصانعة والمنتج. كما يعد عملهم بمثابة تذكير بأن الموضة المستدامة حقًا يجب أن تعالج الاستدامة الاجتماعية جنبًا إلى جنب مع المخاوف البيئية.
-
مؤسسة صندوق الملابس: بناء مستقبل دائري للأزياء
بالنسبة لمؤسسة “كلوز بوكس”، لا تعتبر الملابس المهملة نفايات، بل فرصة. فقد بنت المؤسسة عملها على فكرة أن نفايات الأزياء يمكن أن تصبح حافزًا للتغيير الاجتماعي والبيئي عند التعامل معها بمسؤولية. ومن خلال مبادرات الجمع وإعادة التوزيع وإعادة التدوير وإعادة الاستخدام، تساهم مؤسسة “كلوز بوكس” في خلق نظام بيئي أكثر استدامة للمنسوجات.
يقول المؤسس ساجان فير أبرول: “في مؤسسة صندوق الملابس، لا ننظر إلى نفايات الأزياء على أنها مجرد قضية بيئية، بل على أنها فرصة اجتماعية”. كما تخضع كل قطعة ملابس تجمعها المنظمة لمسار مدروس. يعاد توزيع بعض القطع على المجتمعات المحتاجة، بينما يعاد تدوير قطع أخرى أو تحويلها إلى منتجات جديدة من خلال برامج كسب العيش التي تقودها النساء.
كذلك يعالج هذا النهج في آن واحد قضيتين ملحتين: الحجم المتزايد لنفايات المنسوجات التي تدخل مكبات النفايات والحاجة إلى فرص عمل مجدية للنساء من المجتمعات المحرومة. ثم من خلال ربط العمل البيئي بالتمكين الاقتصادي، توضح مؤسسة “كلوز بوكس” كيف يمكن للأزياء الدائرية أن تخلق قيمة في كل مرحلة من مراحل دورة حياة المنتج.
كما يسلط عملهم الضوء على تحول مهم في حوار الاستدامة: من مجرد تقليل النفايات إلى إعادة تصميم الأنظمة بأكملها حول الناس والغرض والكوكب.
-
رياز جايبور: الحفاظ على تراث الهند الحرفي
في رياز جايبور، تتجاوز الاستدامة مجرد الأقمشة، فهي تعني دعم الحرفيين، والحفاظ على الحرف التقليدية، وتعزيز الإنتاج الواعي. تتعاون العلامة التجارية مع مجتمعات الحرفيين في جميع أنحاء الهند، مستخدمةً تقنيات الطباعة والصباغة والنسيج العريقة، مع الحفاظ على الإنتاج على نطاق صغير وبحرفية يدوية. كما تعيد تدوير نفايات التصنيع من خلال أساليب النسيج التقليدية، مما يساهم في تقليل النفايات وخلق فرص عمل.
يقول المؤسس المشارك أفيشيك ماندال: “مهمتنا بسيطة: ابتكار منتجات جميلة مع خلق فرص للأيدي التي تصنعها”. ثم من خلال مزج الحرف اليدوية التراثية مع التصميم المعاصر، تساعد رياز جايبور في الحفاظ على تقاليد النسيج الهندية حية مع تشجيع اتباع نهج أكثر وعياً في عالم الموضة.
مستقبل الموضة المعاد تدويرها
مع ازدياد وعي المستهلكين بالتأثير البيئي لخزائن ملابسهم، تقدم منظمات مثل reCharkha و Saheli Women و Clothes Box Foundation وغيرها لمحة عما يمكن أن يبدو عليه مستقبل الموضة.
مناهج مختلفة: يركز البعض على النفايات البلاستيكية، بينما يركز البعض الآخر على تدوير المنسوجات، أو تمكين الحرفيين، أو إعادة توزيع الملابس، لكنهم يشتركون في هدف مشترك: إنشاء أنظمة تولد قيمة دون توليد نفايات غير ضرورية.
ثم في اليوم العالمي للبيئة، لم يعد مفهوم الاستدامة في عالم الموضة يقتصر على اختيار الأقمشة الصديقة للبيئة فحسب، بل أصبح يتعلق بدعم المنظمات التي تعيد النظر في كيفية تصنيع المنتجات، ومن يستفيد منها، وماذا يحدث بعد انتهاء دورة حياتها الأولى.






