
كواليس “ذا مارك”: أين يولد سحر الميت غالا الحقيقي؟
في أول يوم اثنين من شهر مايو، تتجه أنظار العالم إلى درجات متحف المتروبوليتان للفنون. لكن أهل الموضة الحقيقيين يعلمون أن الليلة لا تبدأ هناك، بل تبدأ على بعد أربعة شوارع غرباً، خلف الأرضيات الرخامية المخططة لمعلم يعود إلى عشرينيات القرن الماضي عند زاوية ماديسون أفينيو والشارع 77، حيث تصل اطلالات الفنانين بالمئات وترتب الورود بحسب تفضيلات الألوان لكل نجم، ويتحرك فريق محترف من أربعين شخصاً لينقل المشاهير عبر الممرات الخفية عبر أروقة الفندق بدقة مثل عقارب الساعة. لو كانت جدران ذا مارك تستطيع الكلام، لروت القصة الحقيقية لتحضيرات حفل الميت غالا.
الأكثر من عقد من الزمن، أصبح فندق ذا مارك المقر غير الرسمي لأهم ليلة في عالم الموضة. يختار نحو ستين من أبرز النجوم والمشاهير من بينهم عائلة كارداشيان، وديفيد وفيكتوريا بيكهام، وكاردي بي وجيجي وبيلا حديد، ودوناتيلا فيرساتشي، وحتى آنا وينتور نفسها، ذا مارك مقراً لهم في كل يوم ميت غالا. وقد قالت بليك لايفلي ذات مرة: “الاستعداد في ذا مارك أصبح جزءاً من التقاليد”، وفي هذه العبارة يكمن سر ارتباط هذا المعلم في الجانب الشرقي العلوي الفاخر في نيويورك بأكثر أمسيات معهد الأزياء شهرة.
عام متواصل من التحضير
بالنسبة إلى ذا مارك، فإن الميت غالا ليس مجرد أمسية، بل مشروع يمتد اثني عشر شهراً يبدأ فور انتهاء الحفل السابق. وبحلول أول يوم اثنين من مايو، يعمل الفندق وفق جدول دقيق للغاية، مع اجتماعات كل ساعة بين فرق الكونسيرج والأمن والتدبير الفندقي والضيافة، لمتابعة تحركات المشاهير ومرافقيهم حتى ربع الساعة. وفي يوم الحفل، ترتفع نسبة الموظفين إلى الضيوف إلى 2.5 مقابل 1 ، لضمان تلبية كل طلب، وكل جلسة قياس، وكل معجزة في اللحظة الأخيرة بأعلى درجات الدقة والخدمة الرفيعة. تخصص غرف مخصصة في أنحاء الفندق للتعديلات الأخيرة، وتخزين الأزياء، وجلسات القياس الخاصة. كما تسافر خياطات من أرقى دور الأزياء العالمية إلى نيويورك خصيصاً لهذه المناسبة، لإتمام اللمسات النهائية على فساتين ستُصوّر الاف المرات قبل منتصف الليل. ويتولى فريق متخصص من أربعين شخصاً إدارة المصاعد ووسائل النقل بحيث لا يلتقي أي نجوم ببعضهم دون قصد، عبر استخدام مصاعد الخدمة والمداخل الجانبية وحتى تحركات تمويهية لتفادي عدسات المصورين المنتظرين في الخارج.
١٠،٠٠٠ وردة و ٢٠٠ فنجان قهوة وأكثر أربعة شوارع تصويراً في عالم الموضة
في اليوم السابق للحفل، تصل إلى ذا مارك قرابة 10,000 زهرة، توزع في أنحاء الفندق بتنسيقات تراعي تفضيلات الألوان لكل ضيف. وبحلول فجر يوم الحفل، يبدأ المطبخ بتحضير القهوة بوتيرة 48 فنجاناً كل خمس عشرة دقيقة، ليتم تقديم أكثر من 200 فنجان بين السادسة صباحاً ومنتصف النهار فقط. وفي إحدى السنوات، قدم الفندق أكثر من 200 حصة من البطاطس المقلية الشهيرة، بالإضافة إلى ما يقارب 80 قطعة من الـ Haute Dogs الخاصة بالشيف Jean-Georges ويبدو أن الطعام المريح هو اللغة السرية لأكثر ليلة مصورة في العالم. أما خارج الفندق، فالسجادة الحمراء نفسها تعد إنتاجاً قائماً بذاته، إذ يتطلب تركيبها فريقاً من عشرة أشخاص، وقد أصبحت المكان الذي يلتقط فيه العالم أول نظرة على أبرز إطلالات الليلة.
يصطف المصورون على الرصيف بمعدل 100 ومضة كاميرا في الدقيقة لكل شخصية مشهورة في اللحظة التي يخطو فيها كل ضيف خارج أبواب الفندق. وعلى هذه السجادة تحديداً، وفي عام 2019، وقفت کیم کارداشیان بشكل مستقيم داخل السيارة أثناء مغادرتها ذا مارك، بعدما كان فستانها الشهير من موغلر بتصميم ضيقاً لدرجة تمنعها من الجلوس. أما الرحلة نفسها، والتي لا تتجاوز 500 متر، فقد تمتد إلى خمس عشرة دقيقة في ليلة الحفل بسبب المواكب والإجراءات الأمنية. ولعلها أكثر أربعة شوارع تعرضاً للتصوير في عالم الموضة.
حيث تقام أكثر حفلات ما بعد الميت غالا حصرية
يتوج الفندق جناح The Penthouse ، أكبر جناح فندقي في أمريكا الشمالية بمساحة تتجاوز 10,000 قدم مربع، مع تراس خاص بمساحة 2,500 قدم مربع يطل مباشرة على متحف المتروبوليتان. وهو أول جناح يُحجز كل عام، ويستضيف أحد أكثر حفلات ما بعد الميت غالا طلباً وخصوصية. وقد صمم بالكامل بأثاث مخصص من Jacques Grange ، ليصبح الجناح جزءاً من أسطورة الميت غالا بقدر أهمية درجات المتحف نفسها.
المنزل الذي صممه جاك غرانج
تبدأ فرادة ذا مارك من تصميمه الداخلي. فقد أعاد المصمم الفرنسي الشهير Jacques Grange ابتكار الفندق برؤية تمزج بين الأناقة الفرنسية الرفيعة والراحة الأمريكية العصرية. الأرضيات الرخامية البيضاء والسوداء الشهيرة في الردهة، إلى جانب الأعمال الفنية والأثاث المخصص من أسماء مثل Ron Arad و Vladimir Kagan و Karl Lagerfeld ، تجعل الدخول إلى ذا مارك أشبه بدخول منزل خاص الجامع أعمال فنية.
مؤسسة ثقافية بحد ذاتها
حصل ذا مارك مؤخراً على لقب أفضل فندق مدينة في العالم ضمن جوائز 2026 Tatler Travel Awards ، كما كان الفندق الوحيد من نيويورك المدرج ضمن قائمة أفضل 50 فندقاً في العالم لعام 2025. ويحمل مفتاحي ميشلان، ويضم مطعم The Mark by Jean-Georges ، وأول فرع في نيويورك من Caviar Kaspia الباريسي الشهير. لكن رغم كل هذه الجوائز، يبقى أول يوم اثنين من مايو هو ما رسخ مكانة ذا مارك في خيال عالم الموضة. فقد أصبح مؤسسة ثقافية تلتقي فيها الفخامة والإبداع والحرفية، وتُصنع فيها أكثر صور الليلة شهرة قبل أن تبدأ كاميرات المتحف بالوميض. إذا كان لهذه الجدران أن تتحدث، فستقول إن الميت غالا لا يبدأ في المتحف… بل يبدأ في ذا مارك.



