
الشعور بالملل شيئاً يحاول كثيرون التخلص منه لإعادة تنشيط العقل
أصبح منه بأسرع ما يمكن، فبمجرد أن يجد الشخص نفسه بلا مهمة، أو شاشة، أو محادثة، قد يسارع إلى فتح الهاتف، أو تصفح مواقع التواصل الاجتماعي؛ بحثاً عن أي شيء يملأ هذا الفراغ، لكن هل الملل فعلاً حالة سلبية تجب مقاومتها؟ أم أنه قد يمثل مساحة ضرورية يحتاج إليها العقل؛ ليستعيد نشاطه، وقدرته على التفكير؟
ما الذي يحدث للعقل عندما نشعر بالملل؟
الملل حالة نفسية، تنشأ عندما لا يجد الشخص نشاطاً يثير اهتمامه، أو يحفزه بدرجة كافية، وقد يظهر أثناء الانتظار، أو خلال أداء مهمة متكررة، أو عندما لا توجد أنشطة محددة تشغل الوقت، لكن الملل لا يعني أن الدماغ يتوقف عن العمل، بل على العكس قد ينتقل العقل، خلال لحظات الفراغ، من التركيز على مهمة خارجية، إلى التفكير الداخلي، واسترجاع الذكريات، وربط الأفكار، والتخطيط للمستقبل.
وهنا، تظهر أهمية التمييز بين الملل والراحة، فالراحة تعني التوقف عن بذل الجهد، بينما قد يصاحب الملل نشاط ذهني داخلي متنوع؛ لذلك فإن الجلوس لبضع دقائق دون هدف محدد لا يعني، بالضرورة، إضاعة الوقت.
الملل والابتعاد عن التحفيز المستمر:
أصبح الهاتف الذكي مصدراً شبه دائم للمحفزات، فخلال دقائق قليلة يمكن الانتقال بين الأخبار، ومقاطع الفيديو، والرسائل، والصور، والإعلانات. ومع تكرار هذا السلوك، يصبح الوصول إلى محتوى جديد استجابة تلقائية لكل لحظة فراغ تقريباً. وعندما يختفي هذا التحفيز فجأة، قد يبدو الهدوء مزعجاً في البداية، ويشعر الشخص بأنه بحاجة إلى القيام بشيء ما، حتى إذا لم يكن لديه سبب حقيقي لذلك.
هل يساعد الملل على الإبداع؟
لطالما ارتبطت لحظات الفراغ بظهور أفكار غير متوقعة، فقد تأتي فكرة جديدة أثناء الاستحمام، أو المشي، أو الانتظار، أو القيادة، أو القيام بمهمة روتينية، لا تتطلب تركيزاً ذهنياً كبيراً، والسبب المحتمل أن العقل؛ عندما لا يكون منشغلاً بمهمة محددة، يستطيع الانتقال بين أفكار، وذكريات، وتجارب مختلفة، وربما إنشاء روابط جديدة بينها، ومن هنا يصبح الفراغ الذهني فرصة لإعادة تنظيم الأفكار.
الملل قد يدعم القدرة على التأمل:
اليوم المزدحم قد يبدأ برسائل، وينتهي بمقاطع الفيديو، وبينها: العمل، والمهام المنزلية، والمواعيد، والتصفح المستمر، أما لحظات الهدوء، فقد تتيح للشخص طرح أسئلة لا يجد وقتاً لها عادة، فعلى سبيل المثال: ماذا أريد؟.. هل أنا راضٍ عن الطريقة التي أعيش بها؟.. ما الذي يشغلني؟.. وما الأمور التي أحتاج إلى تغييرها؟
لهذا قد يكون الملل، أحياناً، بوابة إلى التأمل الذاتي، وإعادة ترتيب الأولويات، وليس المطلوب أن يتحول كل وقت فراغ إلى جلسة تفكير عميقة. وإنما يكفي السماح للعقل بأن يعمل دون توجيه مستمر.
هل يعيد الملل تنشيط الانتباه؟
عندما ينتقل الشخص بسرعة بين التطبيقات، والمحادثات، والمهام، قد يشعر بأنه مشغول طوال الوقت، لكنه ليس بالضرورة أكثر تركيزاً، وقد يساعد إدخال فترات قصيرة، خالية من المشتتات، على استعادة الإحساس بالهدوء قبل العودة إلى مهمة تحتاج إلى تركيز. ولهذا يمكن النظر إلى الملل؛ باعتباره مساحة انتقالية بين فترات النشاط الذهني، وليس نشاطاً منافساً للإنتاجية.
لماذا نخاف من الملل؟
يرتبط رفض الملل، جزئياً، بثقافة الإنتاجية المستمرة، فهناك شعور شائع بأن كل دقيقة يجب أن تكون مفيدة، أو منتجة؛ فحتى الانتظار أصبح فرصة للرد على الرسائل، أو متابعة الأخبار، أو مشاهدة مقاطع قصيرة، لكن هذا التفكير قد يجعل الإنسان يشعر بالذنب؛ عندما لا يفعل شيئاً. ومرور الوقت، قد يصبح عدم القدرة على تحمل الفراغ سبباً في اللجوء المتكرر إلى الهاتف، حتى دون وجود حاجة حقيقية.
كيف نصنع مساحة صحية للملل؟
ومن الأفكار المفيدة: ترك الهاتف بعيداً أثناء تناول الطعام، أو المشي لمسافة قصيرة دون الاستماع إلى محتوى، أو الانتظار لبضع دقائق دون فتح تطبيقات، أو تخصيص وقت قبل النوم بعيداً عن الشاشات. إضافة إلى إمكانية ممارسة الأنشطة الروتينية بوتيرة أبطأ.

