
رائدات مطارات دبي.. ثقة وقيادة تصنعان مستقبل الطيران والإستدامة
تتواصل مسيرة التمكين والريادة للمرأة الإماراتية في كافة القطاعات الحيوية والدقيقة، وفي مقدمتها قطاع الطيران والأمن والإستدامة. وفي هذا الحوار الموسع، نلتقي بثلاث نماذج ملهمة من الكوادر الوطنية الشابة في مطارات دبي وشرطة دبي، ليشاركننا خبراتهن وتجاربهن، ورسائلهن للجيل القادم من النساء الطموحات. تُعبر كل من عنود تيمور، ضابط أعمال المبنى والسلامة وعضوة اللجنة النسائية (DAWN)، وسارة آل عبد الله، مدير أول الإستدامة التجارية وعضوة (DAWN)، والنقيب مهندس مريم محمد مهدي صادق، نائب رئيس قسم أجهزة التفتيش الأمنية بشرطة دبي، عن معنى القيادة والتميز والتغلب على التحديات تحت شعار «بنظهر الأقوى والأفضل».
عنود تيمور – ضابط أعمال المبنى والسلامة – عضوة في اللجنة النسائية في مطارات دبي (DAWN)
· ما النصيحة التي تودين تقديمها للجيل القادم من النساء الطموحات إلى بناء مسيرة مهنية في قطاع الطيران أو الاستدامة، أو في المجالات التي لطالما ارتبطت بحضور أكبر للرجال؟
نصيحتي لكل امرأة طموحة ألا تجعل طبيعة المجال أو كونه مرتبطاً بحضور أكبر للرجال يحدد طموحها أو اختياراتها. من تجربتي، العمل في قطاع الطيران علّمني أن الكفاءة والالتزام والرغبة المستمرة في التعلم هي التي تثبت حضورك.
خلال مسيرتي، خضت تجارب ومسؤوليات مختلفة، وبعضها كان جديداً تماماً بالنسبة لي، لكنني تعلمت ألا أخاف من التجربة، لأن كل تحدٍ كان فرصة لاكتشاف قدرة جديدة لدي. لذلك دائماً أقول: لا تنتظري الفرصة دائماً، أحياناً عليكِ أن تصنعيها بنفسك.
· يتطلب العمل في بيئة تشغيلية متسارعة كالمطار مستوى عالياً من الثقة والدقة، إلى جانب القدرة على اتخاذ القرارات في المواقف التي تتطلب سرعة وحسماً، ماذا أضافت إليكِ مسيرتكِ المهنية، وماذا تعلّمتِ منها عن قدراتكِ وإمكاناتكِ؟
مسيرتي في مطارات دبي علمتني قبل كل شيء أنني أستطيع التكيف مع التغيير والتعامل مع مسؤوليات وبيئات مختلفة. على مدار سنوات عملي، تنقلت بين مجالات وتجارب متنوعة، من العمليات ومركز الأزمات إلى الشراكات الحكومية، وصولاً إلى عملي الحالي في أعمال المبنى والسلامة، وكل تجربة منها أضافت لي شيئاً مختلفاً.
العمل في بيئة سريعة مثل المطار علمني الدقة، وتحمل المسؤولية، والثقة في اتخاذ القرار. لكن أهم شيء اكتشفته عن نفسي هو أن قدراتي لا تقتصر على مسمى وظيفي أو مجال واحد. عندما أعطي نفسي فرصة للتعلم والتجربة، أكتشف دائماً أنني قادرة على تقديم أكثر مما كنت أتوقع.
· ماذا يعني لكِ يوم المرأة الإماراتية على المستوى الشخصي؟ وما الرسالة التي تودين توجيهها إلى الشابات اللواتي يفكرن في خوض مسيرة مهنية في مجالات الهندسة أو الطيران أو السلامة أو غيرها من التخصصات التقنية؟
يوم المرأة الإماراتية بالنسبة لي هو يوم فخر وامتنان. فخر بما وصلت إليه المرأة الإماراتية، وامتنان للدعم والثقة والفرص التي حصلنا عليها في دولتنا، والتي مكنتنا من أن نكون حاضرات ونثبت أنفسنا في مختلف المجالات.
وعلى المستوى الشخصي، كوني امرأة إماراتية أعمل في قطاع الطيران وعضوة في اللجنة النسائية في مطارات دبي DAWN يجعلني أشعر أيضاً بالمسؤولية تجاه الجيل القادم. رسالتي لكل شابة هي ألا تضعي حدوداً لطموحك بسبب مجال معين أو فكرة أنه مجال للرجال. ادخلي، تعلمي، جربي، واجعلي عملك وإنجازك هو الذي يتحدث عنك.
وهذا بالنسبة لي هو معنى شعار هذا العام «بنظهر الأقوى والأفضل»؛ فكلما دعمنا بعضنا، وفتحنا المجال لنساء أخريات من بعدنا، سنظهر معاً بالفعل أقوى وأفضل.
سارة آل عبد الله – مدير أول – استدامة تجارية – عضوة في اللجنة النسائية في مطارات دبي (DAWN)
· ما الذي دفعكِ إلى اختيار مجال الاستدامة مساراً مهنياً لكِ؟ وماذا يعني لكِ العمل في مطارات دبي، كامرأة تخوض مسيرتها المهنية في قطاع يشهد تطوراً متسارعاً ومتواصلاً؟
بالنسبة لي، اختيار الاستدامة لم يكن مجرد اختيار لمسار مهني، بل كان اختياراً لمجال أشعر أن له معنى وتأثيراً حقيقياً. ما يجذبني في الاستدامة هو أنها تجمع بين الطموح والمسؤولية؛ فهي تدفعنا دائماً لأن نفكر في المستقبل، وفي الأثر الذي نتركه اليوم على الأجيال القادمة.
وأعتقد أن أجمل ما في هذا المجال أنه لا يوجد فيه خط نهاية واضح، فدائماً هناك فرصة لنتعلم، ونطور، ونبحث عن طرق أفضل للعمل والتعاون وتحقيق نتائج ملموسة.
أما العمل في مطارات دبي، فهو بالنسبة لي تجربة أعتز بها كثيراً. المطارات بيئة سريعة ومتنوعة، وكل يوم فيها يحمل تحدياً وفرصة جديدة. وما أحبه بشكل خاص هو أن العمل الذي نقوم به لا يبقى داخل حدود المؤسسة، بل يمتد تأثيره إلى المسافرين، والشركاء، والمجتمع، وإلى مستقبل قطاع الطيران بشكل عام.
وكامرأة أعمل في هذا القطاع، أؤمن أن النجاح لا يرتبط بكون المجال سريعاً أو تنافسياً، بل بقدرتنا على أن نكون حاضرين، نتعلم باستمرار، ونضيف قيمة حقيقية من خلال ما نقوم به. وهذا بالنسبة لي هو مصدر كبير للحماس والشغف في عملي.
· أصبحت الاستدامة اليوم عنصراً أساسياً في رسم ملامح مستقبل قطاع الطيران، ما أبرز مبادرة أو خطوة تفخرين بدوركِ في إنجازها، وما الأثر الذي تطمحين إلى تحقيقه من خلالها؟
أكثر ما أفخر به هو أنني أعمل في مجال يجعل الاستدامة جزءاً من القرارات التجارية اليومية، وليس مجرد هدف منفصل. بالنسبة لي، النجاح الحقيقي هو عندما نستطيع أن نحقق التوازن بين تجربة المسافر، والنجاح التجاري، والمسؤولية تجاه البيئة والمجتمع.
ومن خلال عملي، أفتخر بالمساهمة في مبادرات تجمع بين فرق مختلفة وشركاء متعددين، لأنني أؤمن أن الاستدامة لا يمكن أن تنجح بجهد جهة واحدة. عندما تتوحد الرؤية بين المطار، وشركات الطيران، والمستأجرين التجاريين، والموردين، والجهات التنظيمية، يصبح بالإمكان تحويل الأفكار إلى نتائج قابلة للقياس.
والأثر الذي أطمح إليه يتجاوز نجاح مبادرة واحدة. أتمنى أن نصل إلى مرحلة تصبح فيها الممارسات المستدامة جزءاً طبيعياً من طريقة عملنا واتخاذنا للقرارات، وأن يشعر كل شريك وكل موظف أن له دوراً في صناعة هذا التغيير.
وبالنسبة لي، هذا هو الجانب الجميل في الاستدامة: أن الأثر الذي نصنعه اليوم قد لا نراه كاملاً غداً، لكننا نعرف أننا نضع أساساً أفضل للمستقبل.
· بصفتكِ امرأة إماراتية وعضوة في اللجنة النسائية في مطارات دبي (DAWN)، ما النصيحة التي تودين تقديمها للجيل القادم من النساء الطموحات إلى بناء مسيرة مهنية في قطاع الطيران أو الاستدامة، أو في المجالات التي لطالما ارتبطت بحضور أكبر للرجال؟
أهم نصيحة أود أن أقولها لكل امرأة طموحة هي: لا تنتظري أن تشعري بأنكِ مستعدة مئة بالمئة حتى تخوضي الفرصة.
أحياناً نحن ننتظر أن نمتلك كل الإجابات أو كل الخبرات قبل أن نتقدم خطوة، لكن الحقيقة أن جزءاً كبيراً من النمو يحدث عندما نخرج من منطقة الراحة ونتعلم ونحن في الطريق.
كوني فضولية، اسألي، تعلمي من الآخرين، وابني علاقات مهنية حقيقية. ولا تخافي من أن يكون لديكِ طموح كبير، وفي الوقت نفسه كوني صبورة مع رحلتك. لكل شخص توقيته ومساره الخاص.
وأؤمن أيضاً أن وجود المرأة في القطاعات التي كانت تُعتبر تقليدياً أكثر حضوراً للرجال لا يتعلق بإثبات أننا نستطيع القيام بما يقوم به الآخرون، بل بإضافة منظورنا وتجربتنا وقيمتنا الخاصة.
وبالنسبة لي، كإماراتية وعضوة في DAWN، أشعر بالفخر لأنني جزء من جيل لديه فرصة كبيرة جداً. اليوم أمام المرأة الإماراتية مساحات واسعة للتعلم والقيادة وصناعة التأثير، وأتمنى أن نستخدم هذه الفرص ليس فقط لبناء مسيراتنا المهنية، وإنما أيضاً لفتح الطريق أمام من سيأتي بعدنا.
وفي النهاية، أعتقد أن الشغف الحقيقي بالعمل، مع الاستمرار في التعلم والحرص على أن يكون لعملنا أثر إيجابي، هو ما يصنع المسيرة المهنية التي نفتخر بها.
النقيب مهندس / مريم محمد مهدي صادق – نائب رئيس قسم أجهزة التفتيش الأمنية. الإدارة العامة لأمن المطارات – شرطة دبي oneDXB
· يتيح عملكِ مع شرطة دبي، ضمن oneDXB، أن تكوني جزءاً من منظومة تجمع بين الأمن والخدمة والارتقاء بتجربة المسافرين، ما الذي دفعكِ إلى اختيار هذا المجال، وماذا يمثل لكِ دوركِ في هذه المنظومة؟
لم أختر الهندسة لأتعامل مع الأجهزة والأرقام فقط؛ بل لأنني كنت أؤمن بأن قيمتها الحقيقية تكمن في قدرتها على إيجاد حلول لتحديات واقعية وصناعة أثر في حياة الناس. وعندما دخلت مجال أمن المطارات، وجدت المساحة التي اجتمع فيها شغفي بالهندسة والتكنولوجيا مع مسؤوليتي الأمنية كضابط في شرطة دبي.
ومع مرور السنوات، أصبحت أنظر إلى دوري بمنظور أوسع. فخلف الرحلة التي تبدو للمسافر بسيطة وسلسة، منظومة متكاملة تعمل على مدار الساعة، والأمن ليس منفصلاً عن تجربة المسافر، بل أحد أهم أسسها. لذلك، عندما ندرس تقنية جديدة أو نختبر جهازاً أو نطور إجراءً، أفكر دائماً: كيف سيعزز الأمن؟ كيف سيدعم المفتش في اتخاذ القرار؟ وكيف سيجعل تجربة المسافر أكثر سلاسة؟
والعمل ضمن مجتمع المطار oneDXB عزز لدي هذه الرؤية؛ لأن تميز مطارات دبي لا تصنعه جهة واحدة، بل تكامل الشركاء والعمل كمنظومة واحدة لتحقيق أعلى مستويات الأمن والكفاءة والخدمة.
وشغفي بهذا المجال دفعني إلى التعمق في الجانب الفني وعدم الاكتفاء بالجانب الإشرافي، حتى أصبحت أول امرأة إماراتية معتمدة دولياً في مجال صيانة أجهزة التفتيش الأمنية للمطارات. وهذا الإنجاز رسخ لدي قناعة مهمة: القيادة في المجالات التقنية لا تبدأ من المنصب، بل من المعرفة والفهم العميق للتخصص.
واليوم يمثل لي دوري مسؤولية وفرصة في الوقت نفسه؛ مسؤولية تجاه أمن ملايين المسافرين، وفرصة للمساهمة، إلى جانب زملائي وشركائنا، في تطوير منظومة أمنية أكثر ذكاءً وكفاءة، تواكب مستقبل الطيران ومكانة دبي العالمية.
· ما أكثر ما تقدّرينه في عملكِ كامرأة ضمن هذا المجتمع المتنوع، ولا سيما في الصفوف الأمامية؟ كون المطارات قد جمعت أشخاصاً من مختلف الجنسيات والثقافات والخلفيات، في بيئة تتسم بالتنوع والحيوية على مدار الساعة.
أكثر ما أقدّره في العمل في المطار أنه يجعلك تلتقي بالعالم كل يوم. ففي مكان واحد تجتمع ثقافات وجنسيات وخبرات مختلفة، ضمن بيئة حيوية تعمل على مدار الساعة. وهذه التجربة علمتني أن المعرفة الفنية وحدها لا تكفي؛ فالنجاح يحتاج أيضاً إلى المرونة، والذكاء في التواصل، والقدرة على الاستماع واتخاذ القرار والعمل مع الآخرين مهما اختلفت خلفياتهم.
وكامرأة إماراتية، أشعر بالفخر لأنني أنتمي إلى جيل تجاوز مرحلة إثبات قدرة المرأة على دخول المجالات الأمنية والهندسية والتقنية. اليوم لم يعد السؤال: هل تستطيع المرأة الإماراتية؟ بل ماذا ستضيف؟ وما الأثر الذي ستتركه؟
وأعتز كذلك بعضويتي في جمعية المرأة في الطيران على مستوى الشرق الأوسط، التي أتاحت لي التواصل وتبادل الخبرات مع نساء يعملن في تخصصات مختلفة في قطاع الطيران، وعززت لدي قناعة بأن المرأة اليوم لم تعد مجرد حاضرة في هذا القطاع، بل أصبحت شريكاً حقيقياً في تطويره وصناعة مستقبله. وبالنسبة لي، التمكين الحقيقي لا يقاس بالمنصب الذي تصل إليه المرأة، بل بما تضيفه عندما تصل إليه؛ بمعرفتها وكفاءتها وتأثيرها ومشاركتها في صناعة القرار. ولهذا أعتز بأن أكون جزءاً من جيل من الإماراتيات لا يكتفي بالحضور، بل يشارك ويطور ويقود ويترك أثراً. فالريادة بالنسبة لي ليست أن تكوني الأولى فقط، بل أن تجعلي الطريق أكثر وضوحاً لمن تأتي بعدك.
· عندما تنظرين إلى مسيرتكِ المهنية حتى اليوم، ما التجربة أو الدرس الذي كان له الأثر الأكبر في تشكيل شخصيتكِ ومسيرتكِ كامرأة؟ وما الرسالة التي تودين إيصالها إلى الجيل القادم من النساء الإماراتيات حول ما يمكنهن تحقيقه والوصول إليه؟
أهم درس علمتني إياه مسيرتي هو أن الثقة لا تأتي دائماً قبل التجربة؛ أحياناً نخوض التجربة أولاً، ومن خلالها نكتشف قدرات لم نكن نعرف أننا نمتلكها.
كانت هناك محطات ومسؤوليات كثيرة تطلبت مني أن أتعلم وأتعمق وأخرج من المساحة التي اعتدت عليها، ومع كل تجربة أدركت أن بعض التحديات التي تبدو صعبة في بدايتها قد تكون هي نفسها التي تصنع أقوى جوانب شخصيتنا.
ومن المحطات الأقرب إلى قلبي حصولي على جائزة سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، حفظها الله، كأول امرأة إماراتية في تخصصي. كانت لحظة فخر كبيرة بالنسبة لي، لكن أكثر ما بقي معي بعدها لم يكن الجائزة نفسها، بل معنى أن أكون «الأولى».
أدركت أن هذه الكلمة تحمل مسؤولية بقدر ما تحمل من فخر؛ لأن الطريق الذي أخوضه اليوم قد يصبح أكثر وضوحاً لامرأة إماراتية تأتي بعدي. ومن هنا تغير بالنسبة لي مفهوم النجاح؛ فلم يعد مرتبطاً فقط بمنصب أو شهادة أو جائزة، بل بالأثر الذي أتركه، والمعرفة التي أضيفها، والطريق الذي قد أفتحه لغيري.
ولهذا، رسالتي لكل فتاة إماراتية هي:
لا تجعلي غياب نموذج سابق سبباً للتردد؛ فقد تكونين أنتِ النموذج الذي ينتظره الجيل الذي بعدك. لا تضعي حدوداً لطموحك بناءً على ما هو مألوف، وابني قوتك بالعلم والمعرفة والكفاءة.
نحن محظوظات بأننا بنات دولة آمنت بالمرأة، واستثمرت في تعليمها وقدراتها، ومنحتها الثقة والفرصة لتكون شريكاً في التنمية وصناعة المستقبل. ومسؤوليتنا اليوم أن نحول الفرصة إلى إنجاز، والإنجاز إلى أثر، والأثر إلى طريق للأجيال القادمة.
أما طموحي، فلا يتوقف عند منصب أو شهادة أو جائزة، ولا حتى عند أن أكون «الأولى». طموحي أن أستمر في التعلم والتطور، وأن أترك في مجالي شيئاً أفضل مما وجدته.
وأتمنى أن يأتي يوم لا تكون فيه عبارة «أول امرأة إماراتية» استثناءً، لأن وجود المرأة الإماراتية في أدق التخصصات وأعلى مواقع المسؤولية أصبح واقعاً اعتاد العالم أن يراه منها.


