
أثر.. وجهة إماراتية تعيد صياغة الضيافة بروح زايد الخالدة
“كل ما أسير مكان، ألقى أثر الشيخ زايد موجود” ..
بهذه الكلمات يختصر المهندس أنس عبدالسلام المدني المهندس أنس عبدالسلام المدني الرئيس التنفيذي، لاندكس للتجارة، الفكرة التي رافقته خلال رحلاته إلى دول ومدن مختلفة؛ ففي كل مكان كان يجد حضوراً للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في ذاكرة الناس ومحبتهم، وفي المبادرات والمواقف والقيم التي تجاوز أثرها حدود دولة الإمارات العربية المتحدة.
ومن هذا الشعور جاءت فكرة أثر؛ ليس بوصفها مكاناً جديداً للطعام والقهوة المختصة فحسب، بل وجهة إماراتية صُممت لتترك في ضيوفها شيئاً يبقى معهم بعد المغادرة؛ ذكرى، أو شعوراً بالدفء، أو لحظة تعيدهم إلى البيت وإلى تفاصيل يعرفونها ويحبونها.
ففي الوقت الذي تتسابق فيه وجهات الضيافة حول العالم لتقديم تجارب جديدة تعتمد على الحداثة، يختار أثر أن يعود إلى نقطة البداية؛ إلى البيت الإماراتي، وإلى المائدة التي جمعت العائلة، وإلى فنجان القهوة الذي كان دائماً بداية كل حكاية. لكنه لا يقدّم هذه التفاصيل كما عرفناها في الماضي، بل يعيد صياغتها برؤية معاصرة تناسب حداثة اليوم، دون أن تفقد روحها الأصيلة.
أما المطبخ، فهو نبض التجربة… حيث يقدّم أثر مفهوماً معاصراً للضيافة الإماراتية، ويستمد روحه من البيت الإماراتي، ومن المائدة التي جمعت العائلة. فالضيافة هنا ليست مجرد خدمة، بل ثقافة أصيلة، تُترجم إلى تفاصيل المكان، وإيقاع الخدمة، وطريقة تقديم الطعام، والعلاقة التي يبنيها العاملون هناك مع كل ضيف.
وتعكس قائمة الطعام ثراء المطبخ الإماراتي، من الأطباق التي ارتبطت بالمجالس والمناسبات العائلية، إلى الوصفات اليومية التي شكّلت جزءاً من الحياة الإماراتية لعقود. وتُقدَّم هذه الأطباق بتقنيات طهي حديثة، وعناية دقيقة بالمكونات المحلية، وتقديم بصري ينسجم مع معايير الضيافة العالمية.
ولا تقتصر التجربة على الطعام، إذ تحتل القهوة المختصة مكانة كبيرة في هوية أثر. فالقهوة الإماراتية، بما تحمله من رمزية اجتماعية وثقافية، تُقدَّم إلى جانب مشروبات مختصة طُورت بعناية، لتجسّد التوازن بين الإرث المحلي وثقافة القهوة المعاصرة التي أصبحت جزءاً من مشهد الضيافة العالمي.
إلهام من روح الوطن
أما بالنسبة إلى صاحب الفكرة، فلم يكن المهندس أنس عبدالسلام المدني يرغب بإنشاء مطعم بقدر ما كان يبحث عن ابتكار تجربة تبقى في ذاكرة الناس بعد مغادرتهم المكان. فخلال رحلاته المتكررة خارج دولة الإمارات العربية المتحدة، كان يلفت انتباهه حضور المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في أماكن بعيدة عن الوطن، ليس من خلال المباني أو الإنجازات فحسب، بل عبر المحبة التي ما زالت تحيط باسمه، والقيم التي تركها، والأثر الذي بقي حاضراً في وجدان الناس.
ويقول المدني إن هذه الفكرة رافقته لسنوات، إلى أن جاءت اللحظة الفاصلة كانت خلال زيارة إلى متحف اللوفر في باريس، حيث وقف يتأمل كيف يستطيع أثر إنسان عظيم أن يعبر الزمن والحدود، ويبقى حياً في ذاكرة الأجيال. وهناك، بدأ يتساءل: ماذا لو كان هناك مكان يترك في كل من يزوره أثراً يشبه هذا الشعور؟
ويقول المدني: “خلال رحلاتي، وفي كل مكان كنت أزوره، كنت أجد أثراً للشيخ زايد؛ في حديث الناس عنه، وفي محبتهم له، وفي القيم والمبادرات التي ما زالت حاضرة حتى اليوم. كل ما أسير مكان، ألقى أثر الشيخ زايد، وهذا جعلني أفكر في معنى الأثر الحقيقي، وكيف يمكن لفكرة أو تجربة أن تبقى في الإنسان حتى بعد مرور الوقت”.
ومن هنا وُلد أثر، وجهة إماراتية للطعام والقهوة المختصة على مدار اليوم، تقوم فكرتها على تقديم الضيافة الإماراتية باعتبارها تجربة متكاملة، لا مجرد وجبة أو خدمة.
وأوضح أن المشروع لم يبدأ بتصميم قائمة الطعام أو اختيار الموقع، بل بدأ بتحديد الشعور الذي يريد أن يغادر به الضيف. ولهذا السبب، استغرق العمل على الهوية والمفهوم وتجربة الضيف وقتاً طويلاً قبل الوصول إلى الشكل النهائي للمكان.
وأشار إلى أن اسم أثر لم يكن اختياراً عابراً، بل جاء ليعكس الفكرة الأساسية للمشروع، وهي أن يحمل كل زائر معه أثراً يبقى بعد انتهاء الزيارة، سواء كان ذكرى جميلة، أو شعوراً بالدفء، أو رغبة في العودة مرة أخرى.
ولفت المدني إلى أن الهدف لم يكن إعادة تقديم التراث كما هو، وإنما إعادة تفسيره بلغة تناسب الحاضر، بحيث يشعر الزائر الإماراتي بالألفة، بينما يكتشف الزائر من خارج الدولة جانباً حقيقياً من الثقافة الإماراتية من خلال الضيافة والطعام.
وفي تصميمه، يستلهم أثر عناصره من العمارة الإماراتية ومن «الدكّة»، باعتبارها أول مساحة للقاء والحوار ابتكرها الأجداد، ليقدم بيئة تجمع بين البساطة والرقي، حيث تبدو الهوية الإماراتية حاضرة في التفاصيل، لا في الزخرفة، وفي الشعور، لا في الاستعراض.
ولا يسعى أثر إلى تعريف الزائر بالمطبخ الإماراتي فحسب، بل إلى إعادة تقديمه بوصفه مطبخاً معاصراً يمتلك القدرة على منافسة أبرز المطابخ العالمية، من خلال الجودة، والابتكار، واحترام الموروث. إنها تجربة تثبت أن الأصالة لا تتعارض مع الحداثة، وأن المطبخ الإماراتي اليوم يخاطب جمهور عالمي، عندما يُقدَّم بلغته الحقيقية، وبمعايير الضيافة الراقية التي يستحقها.
نكهة تحمل ذاكرة الوطن
من جانبه، قال الشيف التنفيذي نبهان العلي إن تطوير قائمة الطعام استغرق أشهراً من البحث والتجربة، وشمل العودة إلى الوصفات الإماراتية التقليدية ودراسة مكوناتها، قبل إعادة تقديمها بأسلوب معاصر يحافظ على النكهة الأصلية ويواكب توقعات الضيف اليوم.
وأضاف: “للطعام طريقته الخاصة في الاحتفاظ بالذكريات. يكفي أن تعود نكهةٌ عرفناها يوماً، حتى تعود معها وجوه، وأماكن، ولحظاتٌ ظننا أنها مضت. عندها ندرك أن ما بقي في الذاكرة لم يكن الطبق نفسه… بل الشعور الذي تركه.”
“وحين بدأنا بإعداد قائمة الطعام لأثر، لم نفكر في إعادة الماضي كما كان، بل في أن نحمل روحه إلى اليوم، فهي ليست مجرد مجموعة أطباق، بل حكاية أردنا أن نرويها. حكاية مطبخ إماراتي عريق، عرف كيف يحافظ على هويته، ويمنح كل جيل فرصة ليضيف إليه شيئاً جديداً دون أن يفقد أصالته.”
واستكمل الشيف نبهان معرباً أن النكهات المختلفة كالمحلّى، واللقيمات، والثريد، والتوابل التي تربّت عليها البيوت الإماراتية، كانت بداية الرحلة.
“لم نحاول تغيير هذه الأطباق بل سعينا إلى تقديمها بصورة تليق بها، تحافظ على روحها، وتُظهر جمالها بطريقة تعيش مع حاضرنا”.
في أثر، لا يكون الطعام مجرد وجبة، بل وسيلة لاكتشاف ثقافة، وفهم مجتمع، والاقتراب من هوية صاغتها قيم الكرم، والبساطة، وحسن الاستقبال. إنها وجهة يحضر فيها المطبخ الإماراتي في أبهى صوره ويتم تقديمه للعالم بثقة، في صورة معاصرة تليق بمكانته وتاريخه.

