المرأة العصرية والراقية

إيطاليا ……  بين تصميم ميلانو وثراء روما

إيطاليا ......  بين تصميم ميلانو وثراء روما

بين مدينة تُصنع كل صباح فتستيقظ على صوت الآلات الدقيقة، ونبض الموضة، وإرادة لا تخطئ طريقها نحو المستقبل، وبين مدينة لا تستيقظ بل تعود؛ لتزيح الغبار عن قرون من الفن والعمارة، وتضع زائريها أمام معنى الخلود.

لذا ومن ميلانو يختزل الزمن إلى تصميم وإنتاج وانضباط تصنيعي؛ أما في روما يتمدد الزمن على هيئة حجارة ومتاحف، وسماء تتلألأ فوقها القباب كجملة نهائية لجدارية عظيمة.

صناعة الأذواق.. قبل استهلاكها

يعمل المصممون والمهندسون والحرفيون والنجارون وصناع الأزياء والساعات، في ما يشبه ورشة كبرى، تُنتج الجمال باعتباره بحثاً ودقة ومواد، ففي شوارع «المربّع الذهبي للموضة» (Quadrilatero della Moda)، يتحوّل المشي إلى تجربة ثقافية؛ فكل واجهة وخط ونافذة، تذكّر بأن ميلانو ليست «باريس الرومانسية»، وليست «روما الخالدة»، بل مدينة القرار اليومي، وصناعة الذائقة.

 

غرفة ديلوكس في فندق «The Carlton» – ميلانو.

موقع استراتيجي

في قلب هذا «المربع»، يطل فندق «كارلتون ميلانو» على شارعَيْ: «فيا سيناتو»، و«فيا ديلا سبيغا»، في موقع ليس سياحياً، بل استراتيجي؛ وهنا لا يحتاج المسافر التخطيط للمسافات، فميلانو تُقرأ مشياً، وتُفهم عبر الأحياء.

ويمثل «الفندق» رؤية جديدة للفخامة في ميلانو، رؤية تعتمد على التصميم أكثر من البروتوكول، وعلى الإحساس أكثر من المظهر، ففي الداخل، تولّى تصميمه كلٌّ من: فيليب فيرجييلين، وباولو موسكينو، بالتعاون مع ليدي أولغا بوليتزي، وهنا يكشف التصميم الداخلي ما يشبه منزلاً ميلانياً خاصاً، وليس فندقاً تقليدياً، بغرف تميل إلى الشعور بالسكينة لا الاستعراض، ومساحات مشتركة تعطي انطباعاً بإقامة مديدة، لا زيارة سريعة. إن تجربة «الفندق» تدور حول «فن العيش» في ميلانو، وليس «خدمات الفندق» بالمعنى الاعتيادي. فالطعام في مطعمه «Overseen by Fulvio Pierangelini» ليس مجرد قائمة أطباق، بل قراءة للذائقة الإيطالية، التي تُعرف بالبساطة الدقيقة، والتوازن بين الخضروات، وثمار البحر، والزيوت، والأعشاب، فهي ذائقة لا تنفصل عن هوية المدينة كمركز تصميم ومواد، أكثر من كونها مدينة مطبخ تقليدي. أما «سبا آيرين فورت»، فتدخل التجربة من باب مختلف، عبر ما يسميه المرفق بـ«nature-led rituals and longevity philosophy»؛ أي طقوس عناية مستوحاة من الطبيعة، تقوم على فلسفة «اللونجيفيتي»، وإطالة العمر. فهنا يُعامل الجسد كعنصر هندسي يحتاج إلى صيانة طويلة لا إلى علاج قصير، وفيه يُجمع بين التكنولوجيا اللطيفة والمواد الطبيعية، وبين العناية بالبشرة والرفاه كجزء من أسلوب حياة حضري، لا كترف منفصل أو موسمي. وعلى مقربة من «الفندق»، لا يحتاج الضيف إلى أكثر من دقائق مشياً؛ للوصول إلى كل ما يجعل ميلانو مدينة «صناعية–ثقافية» في آنٍ، من خلال متاجر «Via Montenapoleone»، ومعارض «Brera»، والسلالم الحجرية لـ«La Scala»، والعمارة البيضاء لـ«Galleria Vittorio Emanuele II».

إيطاليا ......  بين تصميم ميلانو وثراء روما

جولة في ميلانو

تأخذنا الخطوات نحو متجر «Ferrari Flagship»، أحد الأماكن التي يصعب اختزالها في كلمة «متجر»، فهنا لا تُباع المنتجات، بقدر ما تُعرض الأفكار. فمداخل المكان تفتح على عالم لا يكتفي بتراث «الحصان الجامح»، بل ينقل «العلامة» إلى مساحة أشبه بورشة تصميم معاصرة؛ حيث تتحوّل المواد إلى أشكال، والأشكال إلى وظيفة.

في هذه «الأوفّيشينا»، لا يكون الجمال زينة، بل نتيجة هندسة دقيقة، تقوم على الاختزال والوظيفة والنقاء. فكل قطعة من الجلد أو القماش أو المعدن، تبدو كأنها خضعت لاختبار صارم: ماذا تفعل؟.. وكيف تعمل؟.. وكيف يمكن للمواد أن تتحرك، وتتجاور، دون ضجيج؟.. عند هذه النقطة، لا يعود السؤال عن السيارات أو الموضة، بل عن قدرة المدينة على تحويل الهندسة إلى أسلوب حياة، وهو جوهر ميلانو منذ عقود.

 

روما.. مدينة تُفسّر الزمن

في روما، يبدو الزمن مادة محسوسة، ليس على شكل تواريخ أو فترات، بل على شكل حجارة وأقواس وسلالم وساحات، فالمشي في المدينة لا يكشفها دفعة واحدة، بل طبقةً؛ من الأزقة القديمة إلى الساحات الواسعة، ومن أضلاع الدرجات الحجرية إلى القباب البعيدة، التي تلمع تحت ضوء النهار؛ فلا تسأل المدينةُ الزائرَ عمّا يريد أن يرى، بل عمّا يفهم؛ فالتاريخ ليس خلفية في روما، بل وجهة، وتقترح روما الخلود عبر المعنى؛ لهذا تبدو العاصمة الإيطالية مدينة لا تكتمل زيارتها بالجولات، بل بالمشي الطويل، وبترك عينيك تتعلمان كيف تُقرأ الحجارة.

 

فخامة تُقاس باللحظة

إمكانية تخصيص الطابقين السادس والسابع بما في ذلك «البنتهاوس»، وهي فكرة تعيد تعريف الضيافة في روما، كزمن ومساحة وسكون، وأن تمتلك جزءاً من المدينة لوقت محدد، يعني أن تمتلك سياقها وليس ديكورها.

وعلى السطح يبدو المشهد أكثر وضوحاً؛ فالأفق في هذا المستوى ليس للخريطة، بل للخيال، بقباب تقترب وتبتعد، وطبقات من السطوح، وألوان تتبدل بين النهار والليل، كما لو كانت المدينة نفسها تتنفس أمام الزائر، وفي قلب العاصمة، التي تُعرف بالطبخ البسيط والدافئ، يظهر التوقيع الذوقي عبر مطبخ «Fulvio Pierangelini»، وقائمة طعام تعتمد على الفكرة القديمة بأن الطعام هنا لا يحتاج إلى خطاب، بل إلى مكونات جيدة، وصنعة دقيقة.

 

من داخل «Palazzo FENDI Milano».

الأسطورة تواجه الزمن

في «متاحف الكابيتولين» تبدو روما كمدينة كتبت تاريخها عبر الفن والدين والسلطة والأسطورة، وكلها عناصر لا تزال حيّة في تفاصيلها اليومية، وداخل معرض «كارتييه والأسطورة» (Cartier and Myth)، تتحوّل المجوهرات إلى أجسام سردية؛ تمرّ من خبرة الحرفي إلى رمزية الأسطورة إلى تاريخ المدينة، في مشاهد تجمع بين الذهب، والأحجار، والرموز القديمة. إن فكرة «المعرض» ليست قائمة على الاحتفاء بالمجوهرات، بل بالسرد الذي يربط بين الأسطورة والفن والمدينة والزمن، أما التفصيل الأكثر ندرة، فهو إتاحة الوصول الحصري للضيوف إلى المتحف والمعرض، حيث تتحوّل التجربة من زيارة ثقافية إلى لحظة شبه خاصة.

 

يمكنك أيضا قراءة